الاثنين، 14 يوليو، 2008

A diary

الساعة الثامنة

------------

صحوت من نوم خفيف ومتقطع شاعراً بأن شيئاً ما قد فاتني، وراغباً – على غير عادتي في أيام الانشغال – في إمضاء بقية اليوم على الفراش لتعويض جسدي عن حالة الإرهاق التي أعانيها جراء العمل المتواصل في الأيام الثلاثة الماضية وجراء نوم الليلة المنصرمة غير السلس، وجراء القلق الذي أشعر به والحيرة التي تغلفه وتصاحبه. تناولت إفطاراً تقليدياً وتمنيت لو كانت جرائد الصباح موجودة أمامي في تلك اللحظة لأطالع فيها أخباراً خفيفة من أي نوع قد تنعشني وتفتح شهيتي على الأشياء

الساعة العاشرة

-------------

بعد ساعة ونصف الساعة من العمل المتواصل الذي تحتم علي فيه التنقل باستمرار بين الكتابة على الورق والنقر على لوحة المفاتيح، شعرت بملل وتعب متصاعدين بالتزامن مع بدء شعوري بالثقة في إمكانية إنجاز ما تبقى من ذلك العمل العاجل قبل موعد تسليمه المحدد. وبعد تردد لم يطل كثيراً فتحت قناة الأغاني وشاهدت بعض الكليبات الصباحية الخفيفة التي للأسف لم يكن من بينها كليب هدى حداد الجديد الذي يعجبني أنا وحدي على ما يبدو

الساعة الثانية عشرة

------------------

كم أحب تجارب عمل المهام اليدوية بيدي أنا، أو شغل الصنايعية الذي يجب أن أتركه لأهله كما تقول أمي.. دهنت شباك غرفتي من الداخل باللون الأبيض، وبالبقية اللزجة المتبقية في علبة الدهان أضفت بعض الرتوش هنا وهناك، وفي النهاية شعرت بأنها ما كان لها أي داع. يبدو، على أي حال، أن الدهان الذي استخدمته غير قوي بالدرجة الكافية ولن يصمد كثيراً أمام عوامل التعرية، فلم أحتج إلى كثير من الصابون لإزالة آثاره من على أصابعي. لكن المهم أنني أنجزت مهمة كانت لازمة منذ تركيب الحديد على الشباك، وأنني غيرت أجوائي لحد ما

الساعة الثانية

------------

أنا الآن في الشارع، أرسل رسالة فاكس إلى الخارج، لتتويج – أو بالأحرى: لإنهاء – عمل استمر لأكثر من أسبوعين، وهو تتويج – إو إنهاء – لابد له من إرسال مادي، بالورق، لا إلكتروني. اكتشفت أن أسعار إرسال الفاكسات إلى الدول العربية قد زادت دونما إشعار، شأنها في ذلك شأن أسعار معظم الأشياء مؤخراً. وهاتفت صديقة غالية، ثم هاتفني صديق غال، ثم اشتريت طعاماً للبيت وعدت به ساخناً – وهل يمكن أن يبرد شيء في جو كهذا؟ وبالمناسبة، مازال نفس الشعور بالقلق والانقباض يراودني أحياناً ويتملكني أحياناً أخرى، ومازلت أتمنى لو مرت الأيام بأسرع من معدلها الحالي لأرتاح منه بأي شكل

الساعة الرابعة

-------------

عودة جديدة إلى نفس العمل الذي تصورت في الصباح أنني كدت أنتهي منه أو وصلت فيه إلى النقطة التي لن أحتاج بعدها لإتمامه إلى نفس مجهود الأيام الأخيرة. المهمة المطلوبة الآن في سياقه تتصل بالنقر على لوحة المفاتيح فحسب دونما نقش بدائي على الورق، والحق أن هذا يضايقني كثيراً، وبالذات الآن، لأنه لا يفلح في أن يشغل فكري عن الأشياء الجانبية والمحتملة بالقدر الكافي. لكنني اكتشفت عدداً من الغلطات النحوية في أوراقي الصباحية أظنني لم أرتكبه منذ نعومة أظافري، والأخطاء النحوية لا تحدث عندي – عادة – إلا وأنا في مثل حالة الشك والتربص الراهنة التي أجتازها. المهم أنني وجدت فرصة إضافية لمدح قراري القديم بعدم إرسال أي شيء يخصني لينقره آخرون لي على لوحات مفاتيحهم لأن أولئك الآخرين لن يكتشفوا مثل تلك الغلطات أبداً ولن يملكوا أو يمارسوا الحق في تصحيحها بثقة، أو كما قال صديق عمري الحزين في هذه الأيام: إزاي تخلي واحدة معاها دبلوم قاعدة على مكتب بتمضغ لبانة بطريقة مستفزة وقالعة جزمتها وهي قاعدة تشتغل بس جاهزة تلبسها في أي لحظة ومتعرفش الفرق بين إن وأن تعمللك شغل التايبينج؟ صدقت يا عزيزي. لكنني وجدت فرصة لتأنيب نفسي على قراري بعدم إجراء الترجمات ذات الطابع الإبداعي على لوحة المفاتيح منذ البداية بدلاً من الاضطرار لنقلها من الورق إلى الشاشة في خطوة عديمة القيمة المضافة

الساعة السادسة

--------------

موعد مجيئ حبيبة قلبي الصغيرة وأسرتها الجميلة اقترب بشدة، والشوق إليها وإليهم في تصاعد مستمر. الفترة التي سيمكثونها هنا لن تكون طويلة بأي حال، لكن تكفي رؤيتهم في حد ذاتها ويكفي عناقهم ومسامرتهم، ويكفي تقبيلها والاستماع لانتقاداتها الطفولية البريئة التي طالما أثلجت صدري عبر الأثير الإلكتروني. تذكر: التجارب الإنسانية تقاس دائماً بعمقها، لا بطولها. وبعد رحيلهم من جديد سيكون هناك حديث آخر عن وفي أشياء أخرى

الساعة الثامنة

------------

شقة مصر الجديدة، شاهدته كاملاً للمرة الثالثة في أقل من ثلاثة أيام. جميل، هادئ، هادف، رومانسي، مختلف عما يعاصره، وإثبات جدارة حقيقي لبطلته الجميلة التي مازلت لا أستطيع أن أصدق أنها الآن أم لخمسة من الأطفال. أما محمد خان المبدع فمازال قادراً على إثارة دهشتنا بقدرته الفذة على التعبير عن الأحداث من زوايا غير مطروقة ولا متوقعة، ولا إظهار الحميمية حتى في أكثر المشاهد صخباً وتنفيراً. كم أستغرب أنه ليس مصرياً بالولادة، وكم أستغرب أنه مازال كذلك من حيث بطاقة الهوية وجواز السفر

الساعة العاشرة

-------------

ترجمة، ترجمة، ترجمة. ملف العدد دائماً يأخذ وقتاً غير متناسب مع طوله الحقيقي ودائماً ما يجور على حق مهام عمل أخرى في الانتظار. ثمة مهام كثيرة تعطلت وتراكمت بسببه وبسبب مزاجي السلبي في الآونة الأخيرة، وثمة أفكار كثيرة لم أحفظها بعد من احتمال الهرب إلى الأبد، وثمة أصدقاء كثيرون غاضبون لتقاعسي عن إرسال مقالات ما أو عن الظهور والسؤال بشكل اجتماعي أكثر حميمية وأكثر تناسباً مع مقدار الصداقة الضمني المثبت. لكن عذراً يا أفكاري ويا أصدقائي وعذرا كذلك يا محرر صفحة الرأي يا من طلبت مقالة عن إيران التي لا أعرف لماذا تطلب مني أنا بالذات مقالات عنها، عذراً لكم جميعاً.. أنا عائد.. فقط أقتنص لذة اللقاء بالقادمين الأحباء من الخارج، ثم أعرف مصير أو نتيجة شيء ما، وفي كل الأحوال سأعود بعد ذلك، وأظنني سأعود كما كنت

الساعة الثانية عشرة

------------------

مكالمة مع صديقي الحبيب الذي يعمل بالخارج.. اتصلت به مواسياً. ما أقسى أن تنتهي علاقات الحب وارتباطاته الرسمية ببساطة هكذا قبل أن تبدأ فعلياً أو مادياً. أو لعلني أتصلت لأسأل عنه في ما أراه محنة ولأشعره بأنني معه حتى وإن غاب عني جغرافياً وإلكترونياً. غريبة أن نواسي أعز الناس في وفاة حب لم يبلغ الرشد بعد، لكن ما أكثر غرائب تجاربنا الحياتية

الساعة الثانية

-----------

أنشر هذه المدونة عديمة القيمة، لأواصل العمل من جديد بعد أن نلت قسطاً من الراحة أثناء كتابتها – ويا للعجب. يومي الحقيقي دائماً يبدأ الآن، بعد أن يكون الكل حولي في طور النوم الأول

الجمعة، 11 يوليو، 2008

في المنتصف..

هكذا أكون انتهيت من وضع بعض مدوناتي السابقة التي نشرتها من قبل بالفعل عبر الفايسبوك، وكذلك وضعت عملاً واحداً فحسب من أعمال مجموعتي الوحيدة المنشورة حتى الآن ضمن مطبوعات هيئة قصور الثقافة قبل أربعة أعوام

وفي الفترة القادمة، سأضع بقية أعمال تلك المجموعة الكاملة، أو أغلبها على الأقل

وسأضع كذلك بعض الأعمال الأخرى المنشورة عبر فضاءات أخرى غير الفايسبوك، ولاسيما الصحف. لكن، بالطبع، لن أضع أياً من مقالات الرأي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لأن نشرها يكون مرتبطاً بحوادث أو تطورات ما انقضت. سأكتفي بوضع الأعمال ذات الصفة الإبداعية، أو المطلقة

وأخيراً، سأضع بعض الأعمال الخاصة التي كنت أحتفظ بها لنفسي

وفي الأخير، سأبدأ في تدوين يومياتي هنا، كلما كان بأيامي ما يستحق أن يُدون أو أن أنفعل به لدرجة التوثيق والحفر الإلكتروني

فقط أريد بعض الوقت لإثراء هذه المدونة

ظروف غير مواتية

الشمس لم تشرق في ذلك اليوم
أو لعل نورها احتجب وراء غيوم يناير الكثيفة
النهار صار – فجأة – ظلمة كئيبة
والفجر الذي لاح لم يكن سوى فجر كاذب
الناس تململت في البداية، وتحسرت على يوم ضائع
لكن عندما انمهر المطر من بين فتحات السحب،
لم يجد الناس بدا من التعايش مع يوم شتوي قاس
الكل راح يؤدي ما عليه أداؤه
والكل نسي – أو تناسى – أمر الصباح الذي لم تشرق شمسه

***

لم يعد على رصيف المحطة غيري أنا
أنا وحقائبي التي ملئتها بكل ما ظننتني سأحتاجه هناك
في بلاد الغرباء
القطار أتي في موعده، وأنا كنت واقفا في انتظاره
فلماذا لم أصعد الدرجتين الوحيدتين اللتين تفصلانني عن بلاد الغرباء؟
هل خفت؟
ولماذا ترددت؟
القطار غادر، على أي حال، ولاشك أن قطارا آخر سيأتي من بعده
ولكن.. هل سأصعد درجتيه؟

***

وطنك لم يعد وطنك
صرت فيه غريبا، وصار يأكل أبناءه
صار يستهزئ بهم ويستلذ عذابهم
الناس في وطنك صاروا جزرا منعزلة، تفصل حواجز الكآبة والاغتراب بينها
الظروف ما عادت مواتية في وطنك
والحزن صار يكسي كل الأشياء والوجوه
حتى الشمس لم تعد تشرق عليه في الصباح
الأمل مفقود، فلماذا مازلت تصر على البقاء فيه؟

***

أهز رأسي من أعلى لأسفل
أوافقكم القول
وطننا لم يعد وطننا
صار مستوطنة للفساد والفاسدين
صرت أشعر فيه بمرارة الغربة،
حتى وأنا بين أصدقائي أو وسط أهلي
حقا.. الظروف ما عادت مواتية
الجميع يغادر، ويقال إن من سيبقون في النهاية هم الأخسرون
أو هم السذج الذين لا يتعلمون من تجارب الآخرين
ولكن كيف لي بالرحيل إلى وطن الغرباء الذي يقطر لبنا وعسلا؟
وكيف أجبر نفسي على المغادرة؟؟

***

سأفتقد – إن رحلت – وجوه الناس البسطاء
صحيح أن أكثر الوجوه هنا وجوه مكفهرة، ولامبالية، ولكنها وجوه بسيطة على أي حال
سأفتقد – إن رحلت – مكان اللقاء الأثير مع الحبيبة ومع الأصدقاء
هل في بلاد الغرباء مكان كنفس مكاني العتيد الذي أعرفه ويعرفني؟
وأين سأجد الأصدقاء الحقيقيين؟؟
صحيح أن معظمهم غادر بالفعل وآثر ألا يكون من الأخسرين
ولكن أليس من تبقوا أصدقاء أيضا؟
ثم.. ألا يستحق الوطن فرصة أخرى؟
هل يمكن التضحية به بهذه السهولة؟
هل يمكن التنصل منه؟
وهل الوطن هو مكان، أم زمان، أم أفراد، أم كيان؟
.. والأهم الآن: هل أغادر في القطار التالي؟
ها هي أدخنته تلوح من وراء الغيوم
أتى وقد غسله المطر ونقاه، وكأنه يحتفل برحيل من سيرحلون فيه
لم يأت في موعده
بل جاء – على غير العادة - مبكرا عن موعده بعض الشيء
وكأنه يضاعف الضغوط علي ويضيق الخناق حولي
فهل أستقله؟ هل أصعد درجتيه الفاصلتين؟؟

***

الغيوم – أخيرا – انقشعت
والمطر توقف عن الانهمار
رصيف المحطة اكتظ بالمسافرين من جديد
الكل كان منشغلا بمواعيد القطارات التالية
الكل كان همه الرحيل، إلى بلاد الغرباء، إلى بلاد اللبن والعسل والحور العين
ووحدي أنا تطلعت للسماء، ممنيا نفسي برؤية ما تبقى من شعاع الشمس
ولكن.... أين ذهب الشعاع؟؟

***

الليل أتى قبل موعده!!
أو لعل احتجاب الشمس طال أكثر مما يجب
كل شيء صار يمر بأسرع مما نتصور في وطني، حتى الأشياء الكريهة فقدت جلالها!
صدقوا – إذن – إذ قالوا: إن الظروف ما عادت مواتية

***

"أريد تذكرة أخرى، لو سمحت

مزاد

ياللا تعالي والحق.. فرصة
عندنا أحلى مزاد يا أخينا
مش بنبيع دايو ولا كورسا
ولا فيللا ولا شاليه في مارينا
بنبيع دولة بكل ما فيها
من أسوان ولغاية سينا
والكل من حقه يشارك
في مزادنا ويتعرف بينا
يعني إذا كنت يهودي اتفضل
أو حتى خواجة رجع لأثينا
بس يا حلو تتقل جيبك
وأوعاك بس تفاصل فينا
وعشان نرتاح بنقول بصراحة
ده مزاد عالي وفل وزينة
يعني نظام الفكة تسيبه
وأساتك ملايين ورينا
وكمان لاحظ حاجة مهمة
مزادنا سريع قوي يا أفندينا
قبل ما يعقل ياللا نبيعه
شعب المحروسة ويشوينا
***
ألا أونه.. ألا دوو.. ألا تريه
بعنا هرمك.. بعنا نيلك.. وشفنا الشاري مين
ما كل شيء بثمن يا حبيبي
حتى ضميرك.. وشرف مامتك.. وضفاير الحلوين
وكمان بعنا شهامة المصري
وأخلاق القرية.. والنكتة إياها بتاعت الميلامين
ولو ذاكرتك جامدة نقوللك
إننا برضه بعنا فطوطة.. والخاطبة.. وهناء وشيرين
وبسكوت بيمبو اتباع بالمرة
وتمثال عرابي.. والمنشية.. وبوكلة وراس التين
وبعنا الغاز لجيراننا البعدا
عشان دباباتهم تفرم في الفلسطينيين
وتوت عنخ آمون بعناه
والتوت والنبوت.. والعار.. واللمبي.. ويوسف شاهين
وبهاء طاهر ويحيي الطاهر
وتوفيق الحكيم وخيري شلبي وصنع الله وصلاح جاهين
أما حليم والست وفوزي
فحاولنا نبيعهم بس يا خسارة طلعوا أصلا متباعين
بس بلاش تزعل وتهنج
عندنا لسه شادية وفوزي ومحيي وتامر وشيرين
وخلاص مش فاضل م الدولة
غير حبة خردة تعبانة.. وكام استوديو.. والمثقفين
ومن البنوك والقطاع العام
بعنا شوية لأخوة صهاينة والباقي للإيطاليين
وإيراد البيع اتحول بره
على مقار العصابة في سويسرا وقبرص وأبردين
***
ليه يا أخينا بتبص دايما
للنص الفاضي والكآبة والضلمة
مصر احلوت لما اتفضت
من كل الدوشة والزحمة
دلوقتي اللي اتبقوا بياكلوا
نجرسكو ومشروم جنب اللحمة
أما اللي اتباعوا فزمانهم
مجلودين بره من غير رحمة
سواء في مكتب في الظهران
أو في دبي في شركة مساهمة
شعب اتحول كله عبيد
طب إيه يعني؟ بطل لخمة
أيام بتدول وبتتدور
ومسيرك ف يوم تهبرلك عكمة

وتبدأ رحلة البحث عن الشاطئ التالي

رمال.. رمال
بصمات أقدام هنا وهناك
بصمة لامرأة في حالة حب
وأخرى لشابة في طهر الملاك
وبصمة قدم شاب سعيد، كبيرة ومحفورة بالكاد
أليس السعداء قادرين على الطيران؟

في كل مكان على الشاطئ بصمات أقدام
وضاربة الودع واقفة هناك، خلف النافورة
ضاربة الودع العجوز تستعد لمزاولة مهنتها الشاقة
ما عاد أحد يسعى إليها لتقرأ له طالعه
ما عادت الفتيات مفتونات بها وبأخبارها عن الحب والزواج
ما عاد الرجال يتحينون الفرص ليسألوها عن مستقبلهم المهني
صارت تجوب الشاطئ طوال النهار حتى تتورم قدماها
تلح وتلح كمندوب مبيعات يحمل بضاعة بائرة
ورواد الشواطئ لا يظهرون أي انفعال
وإذا نجحت في النهاية في جذب زبون واحد
فسرعان ما تنهره زوجته، أو يحدث العكس
أليست قراءة الطالع ضرباً من الكفر؟

اقتربت المرأة من الجموع
هل كانت تلمع في عينها الدموع؟
أم تراها لمعة ذكاء باق من أيام الصبا؟
على أي، ها هي تحاول جذب الأنظار
تنادي على بضاعتها بصوت الغجرية الغامض
نبين زين نبين ونضرب الودع ونشوف
الكل تطلع إليها في خوف
ماذا عساك تعرفين يا عجوز؟
ولماذا علينا أن ندفع لك المال لنعرفه؟
أليس دوران الأيام كفيلاً بأن يرينا كل شيء تخفينه أنت عمن لا يدفعون؟

الشمس مالت نحو مغربها
وغلة اليوم مع العجوز لا تضمن حتى الكفاف
حتى ضاربة الودع باتت من العوز تخاف
قديماً خدعوها إذ قالوا لها إن مهنتها مضمونة النجاح في كل العصور
أليس الناس دائماً مشغولين بالغد ومحبين لسماع الأخبار التي تبعث على السرور؟
فما بالهم اليوم تغيروا حتى صاروا لا يأبهون بها وبنداءاتها؟
هل صاروا أكثر لا مبالاة؟
أكثر رشداً؟
أم أكثر بخلاً؟

فجأة تضاعف اللمعان في عيني العجوز
لابد أن فكرة جديدة قد واتتها
أو لعلها فكرة جربتها من قبل وتكررها على فترات متباعدة
بصوت جهوري رخيم نادت: يا قوم، من صاحب هذه البصمة؟؟؟؟؟
ارتج الشاطئ لندائها وتوقف بغتة نشاط الجموع
الكل يريد أن يدفع الآن لها ليعرف منها ماذا سيحدث لصاحب البصمة
الكل خاف أن يكون هو صاحب البصمة
لا أحد ظن خيراً بما سيحدث لصاحب البصمة

اقترب أحدهم واستطلع البصمة، ثم حاول قياس قدمه عليها
ثم آخر تلو آخر، وأخرى تلو أخرى
الكل اصطف في طابور طويل
واندلعت مشادات كلامية رجالية ونسائية
أهي مسابقة سندريللا شاطئية؟
حسنا يا امرأة، أياً كان صاحب البصمة، فماذا عساه حادث له؟

بتهكم قالت: هكذا ببساطة؟؟ ادفعوا اولاً لتعرفوا طالعكم
الكل دفع والقلق يعتصره
دفعوا أكثر مما يجب، وحقيبة نقود المرأة امتلأت عن آخرها
وبدأت تفكر: أحقاً يجب أن أزاول العمل في اليومين القادمين؟

قالت لهم نفس كلامها المعتاد
الكلام الذي حفظته عن أمها وجدتها
وأضافت بعض التوابل على كلامها
نجحت بذلك في إقناع الجميع ببصيرتها النافذة التي بها لفتت البصمة نظرها
العجيب أنها قالت نفس الطالع لعشرات الشخوص في وقت واحد
أتملك ضاربة الودع قدرات تنويم مغناطيسي إضافية؟؟؟
أم أن زبائنها باتوا أكثر سذاجة وسطحية؟
والأهم الآن: أين ستقرأ الطالع في المرة القادمة؟
وماذا إذا تكررت بعض الوجوه؟

تساؤلات إلى شاري الأيام

الصيف لملم أوراقه ورحل في هدوء
هل لفحتني شمسه الحارقة هذا الموسم؟
لست أكيداً
ومتى كنت من أي شيء أكيداً؟
وهل يهمني إن كانت لفحتني حقاً؟
لا أبالي مادمت منتظراً في المقهي بلا حراك
لم نسمع في المدن عن لفحة شمس سببت الهلاك

ها هو الخريف اقترب
وازدهار الغصون سيغترب
أو لعله بدأ الاغتراب بالفعل
الأوراق تتساقط وأيام العمر تهرول مسرعة باتجاه الهوة المحتومة
العمر يبدو أحياناً لحظة واحدة مقسومة شطرين
الأول للانتظار والملل، والثاني للدموع تترقرق من العينين
أدموع فرح أم دموع حزن؟
دموع استقبال أم دموع وداع؟
الشطر بدوره مقسوم شطرين
وأنا الآن في شطر الانتظار ونصف شطر دموع الحزن
يا له من توصيف معقد

الرياح الشمالية هي الأعتى دائماً، هكذا يقولون
وأنا أسكن في الشمال، والشمال يسكنني
أطل على البحر من نافذة مقهاي المفضل على الدوام
وكثيراً ما أخرج لأفترش الرصيف بمقعد وثير ومنضدة وحيدة
الرياح الباردة تلطم الوجه، ورمال البحر تؤلم الجبهة
والمارة يتساءلون عن سر شجاعتي، أو بلاهتي، في همس
لا أحد يجرؤ على افتراش الرصيف في شتاء الإسكندرية
ولا أحد يجرؤ على مواجهة رذاذ موج البحر بصدر شبه عار

كيف أتى الشتاء والخريف لما ينته بعد؟
هل تنازل فصل لفصل عن حصته من أيام حياة البشر؟
وهل بوسع الأخيرين أن يتنازلوا لبعضهم بعضاً عن أيام حياتهم؟
عن مقدراتهم؟ تجاربهم؟ أفراحهم؟ وتعاساتهم؟
ألا يبيع البعض أبناءه هذه الأيام؟
فماذا عن الأيام نفسها؟
أبوسعنا حقاً أن نبيع أنصاف أعمارنا لنرى من نحب ولو للحظة؟
ومن الشاري في تلك الحال؟ وماذا عساه فاعل برصيده الضخم من الأيام؟
لا شك أنه سيحقق كل أمنياته، التي هي أمنيات الآخرين أصلاً
لكن.. ألن يصيبه الملل في النهاية؟

السفينة لاحت لي أخيراً
الأرض كروية حقاً، فقد رأيت صاريها أولاً
ثم لاح هيكلها كاملاً
هل جاء فيها من أنتظر؟
هل حجز شاغلي تذكرته هذه المرة؟

!!!!!!!
لا أحد يسافر على متون السفن هذه الأيام
لا أحد، سوى البضائع والحجيج والفقراء
يبدو فعلاً أنني صرت أعيش عالماً غير الذي يعيشه الناس
كيف فاتني أن السفن، كالخطابات، انقرضت أو هي على وشك ذلك؟

ربما يأتي مواعدي في الخريف القادم
هكذا سأمني نفسي.. علي أن أفعل ذلك
الأمنيات هي بنات عقولنا التي نربيها وندللها لتخفف عنا وطأة الفشل، صحيح؟
ولكن لماذا على من قد يأتي ألا يأتي إلا في الخريف؟
ألنبدأ عاماً جديداً بعد انقضاء الخريف، أم لننهي ما لم يبدأ من الأساس؟

المارة من حولي يتكاثرون واندهاشهم يتضاعف
لابد أن أدخل إلى المقهي من جديد
على الأقل لأتقي البرد القارس، ثم أعينهم المتطفلة

واحد ينسون لو سمحت
آه، ولن أنسى أن أنتظر في مقهى المطار في المرة التالية

فوضى.. ولكن

في مرة بصحى من نومي فايق
مع ان نومي بيكون دقايق
وألاقي نفسي فرحان بنفسي
وأنزل سعيد وأنيق وعايق

وفي مرة بصحى ألاقيني هايم
وحزين وشايل الهم فوقي
وأحاول أهرب من اكتئابي
واقول لعيني بلاش تفوقي

وغريبة اني عمري ما بقدر أفهم
ليه بفرح يا دنيا اني منسوب إليكي
وليه بعد لحظة بحس اني عالة
وأقول ايه بس فايدة وجود روحي فيكي

وساعات بحس ان وطني احتواني
وبأن ترابه ملكي ومكاني
وساعات بحس انه ظالم وخاين
وأنزل أدورلي على وطن تاني

***

وساعات بلاقي الفرح في بسمة
وفي وردة بتغازلها نسمة
أو في دفايا في وسط لمة
أو في مكان فرحت فيه

وساعات بشوف الدنيا ضلمة
والناس جحودة وقاسية وظالمة
وما حد فيهم فاهملي كلمة
ولا حد فيهم أسند عليه

وساعات أحب الناس والزحمة
وساعات أبقى بهرب من الكلام ده
وساعات ألاقي في كلمة آلمة
دوا وبلسم بحتاج إليه

وف كل حالة من الحالات دي
بحس ان ديا مش هي حالتي
واني بعيش بنص طاقتي
وباقي كياني ضيعته ليه

وأمشي ف شوارع مليانة ناس
فيهم اللي بيسمع ليا بحماس
وفيهم اللي قلبه زي الرصاص
والأغرب اني بنشد ليه

***

وأشوف القريب مني بعيد
وأشوف في حلمي الفرح أكيد
وأحاول وأحاول لحد ما أوصل
لحلمي ولكن بكون مش سعيد

وساعات في نومي بحلم بدنيا
لا فيها ناس ولا هي فانية
وليالي بحلم بناس ودوشة
وأتمنى أجرب الموت لثانية

وساعات بشوف كوابيس في نومي
ووحوش بتنهش لحمي وهدومي
وطفل بيخاف من صدر أمه
وشمس كاسفة بشكل يومي

وليالي بحلم بحاجات جميلة
وكل محتاج لاقي الوسيلة
وبنور غامرني وجمال آسرني
وف لحظة بقدر أعيش ألف ليلة

وف كل ليلة أنام وأمدد
وأعد أحلامي وأعدد
ألاقي منها كتير اتحقق
وكتير أقرب منه بيبعد

وأفرح في ثانية وأغضب في ثانية
وفي كل لحظة في حالة تانية
ممكن أكون فرحان وباكي
أو حزين مع ان حياته هانية

وفي وقت بحس بأني طاهر
واني مسكت الصواب بإيدي
وبعد لحظة ألاقيني ضايع
وأخاف من دموعي ودمي ف وريدي

وراغب وطامح وعازم وناوي
وأوقات بنام على القهاوي
وأكون مستشار وناصح لغيري
مع اني بضعف وبعمل بلاوي

***
ورغم كل الفوضى ديا
ورغم اني دايما مش فاهم نفسي
إلا اني دايما فخور اني عايش
بنفس الطريقة اللي عايزاها نفسي